
أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن قضايا الإدمان والمخدرات تفرض مسؤولية دينية ووطنية وأخلاقية ملحة، مشددًا على أن أخطارها تتجاوز أضرار البدن لتصل إلى الإفساد في الأرض. جاء ذلك خلال برنامج تدريبي لدار الإفتاء المصرية، تزامنًا مع إعلان تقرير أممي عن ارتفاع عدد متعاطي المخدرات عالميًا إلى 331 مليون شخص.
رؤية المفتي الشرعية لأخطار المخدرات
أوضح مفتي الجمهورية أن الغاية الرئيسية للشرائع السماوية هي حفظ الكليات الضرورية، وفي مقدمتها الدين والنفس والنسل والعقل والمال. وشدد على أن المساس بأي من هذه الكليات يخل بمنظومة الاستخلاف ويفسد أحوال البلاد والعباد. وأشار إلى أن المخدرات من أخطر الظواهر التي تستهدف العقل والنفس معًا، وتنعكس آثارها على الفرد والأسرة والمجتمع، مما يجعل مواجهتها مسؤولية مشتركة تتطلب فهمًا عميقًا للواقع إلى جانب الحكم الشرعي.
وأكد الدكتور نظير محمد عياد أن مهمة المفتي لا تقتصر على كشف الحكم الشرعي في واقعة ما إلا بعد الإحاطة بجوانبها وأبعادها المختلفة، وهو ما يقتضي إدراك الواقع وفهم طبيعة الظواهر المتصلة به.
برنامج “الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات” بدار الإفتاء
يُعقد البرنامج التدريبي تحت عنوان «الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات» على مدار 5 أيام، بالتعاون بين دار الإفتاء المصرية وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي. يستهدف البرنامج أكثر من 60 متدربًا من الباحثين الشرعيين وأمناء الفتوى العاملين بدار الإفتاء المصرية.
يهدف البرنامج إلى تمكين المشاركين من تكوين رؤية متكاملة حول ظاهرة الإدمان والمخدرات، وفهم أسبابها وآثارها وسبل الوقاية منها وعلاجها، بما يعزز قدرتهم على دراسة وفهم الأسئلة ذات الصلة بقضية الإدمان. وأشاد المفتي بدور مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية في اختيار الموضوعات المرتبطة بالواقع وقضاياه المتجددة، مؤكدًا أهمية الجمع بين الرؤية الشرعية والمعرفة المجتمعية في مواجهة صور الفساد.
إحصائيات عالمية صادمة حول تفاقم مشكلة المخدرات
استعرض الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، تطورات مشكلة المخدرات من واقع تقرير الأمم المتحدة لعام 2026. أشار التقرير إلى أن عدد الأشخاص الذين تعاطوا المخدرات حول العالم بلغ 331 مليون شخص، بزيادة قدرها 34% خلال الـ10 سنوات الأخيرة. تستنتج البيانات أن عدد متعاطي المخدرات عالميًا ارتفع بنحو 84 مليون شخص خلال العقد الأخير (331 مليون – (331 مليون / 1.34) ≈ 84 مليون).
كما أوضح التقرير أن نحو 500 ألف حالة وفاة تحدث في العالم سنويًا بسبب المخدرات. ويشير التقرير العالمي إلى ارتباط وثيق بين المخدرات والجريمة المنظمة والعنف وتدفقات الأموال غير المشروعة، حيث تمثل المخدرات أكثر من 50% من النشاط الاقتصادي للجماعات الإجرامية المنظمة عالميًا.
ويُعد الشباب، لا سيما الفئة من 15 إلى 19 عامًا، هم الأكثر عرضة للوفاة بسبب المخدرات بنسبة 45% مقارنة بالبالغين. كما لفت التقرير إلى ظهور مواد جديدة ضمن المخدرات الاصطناعية التي يتضاعف تأثيرها أضعاف معدلات الهيروين.
وفيما يخص فجوة العلاج، لا يحصل على خدمات العلاج عالميًا سوى مريض واحد من كل 9 مرضى من الذكور، ومريضة واحدة من كل 23 حالة من الإناث. تستنتج البيانات أن الذكور يحصلون على خدمات علاج الإدمان عالميًا بمعدل يزيد عن ضعف معدل الإناث (23/9 ≈ 2.55 ضعف).
جهود صندوق مكافحة وعلاج الإدمان في مصر
يمثل صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي في مصر الآلية الوطنية للحد من الطلب على المخدرات، من خلال خدمات وقائية وعلاجية عالية الجودة ومبنية على الأدلة العلمية. تُقدم جميع خدمات العلاج لأي مريض إدمان في مصر مجانًا وفي سرية تامة ووفقًا للمعايير الدولية، ويمكن طلب المساعدة عبر الخط الساخن رقم «16023».
استعرض الدكتور عمرو عثمان آليات الرد على المفاهيم المغلوطة عن المخدرات، مثل الادعاء بأن الحشيش لا يسبب الإدمان أو أن المخدرات تساعد على نسيان الهموم. كما تطرق إلى أهم الرسائل التي يمكن لعلماء الدين توجيهها للأسر والمتعلقة بالوقاية الأولية والاكتشاف المبكر، وأهمية رفع الوصم الاجتماعي عن المتعافي والدمج المجتمعي.
تتضمن الاستراتيجية القومية لمكافحة المخدرات والحد من مخاطر التعاطي والإدمان محاور عمل رئيسية تشمل:
- الوقاية الأولية والتحول من الوعي إلى الوقاية بالمؤسسات التعليمية والشبابية.
- تنفيذ برامج موجهة للأسرة للوقاية والاكتشاف المبكر، مع التركيز على المناطق الأكثر عرضة للمشكلة.
- تهيئة بيئة تعليمية ورياضية تعزز قدرة النشء والشباب على رفض ثقافة تعاطي المواد المخدرة.
تؤكد هذه الجهود المشتركة مسؤولية الإنسان عن إصلاح الأرض وحماية مقومات الحياة فيها وصيانة المجتمع من أسباب الفساد والانحراف.
