أكد الأستاذ الدكتور محمود محيي الدين، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ورئيس الجمعية الاقتصادية المصرية، أن تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات العالمية يتطلب نظرة شاملة لقضية الادخار تشمل القطاع العائلي وقطاع الأعمال والقطاع الحكومي معًا، مشددًا على أن أي تراجع في الادخار الحكومي يخصم مباشرة من إجمالي الادخار المحلي حتى مع تحسن مدخرات الأفراد أو الشركات.
جاء ذلك خلال افتتاح أولى فعاليات سلسلة «منتدى السياسات الاقتصادية» بمكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك، والتي نظمتها الجمعية الاقتصادية المصرية لمناقشة قضية «الادخار في مصر»، بحضور أحمد كجوك وزير المالية، والدكتورة هالة السعيد مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية ووزيرة التخطيط السابقة، إلى جانب نخبة من الخبراء وممثلي المؤسسات المالية.
إعادة ضبط أولويات النقاش الاقتصادي
أوضح محيي الدين أن الخطاب الاقتصادي السائد يميل غالبًا إلى التركيز على الاستثمار في مقابل الادخار، والإنفاق العام في مقابل الإيرادات العامة، والواردات في مقابل الصادرات. واعتبر أن التحديات الأكثر إلحاحًا في الحالة المصرية تنبع من ثلاثة محاور رئيسية:
وفي سياق متصل، تناولت تقارير سابقة «التعهدات وحدها لا تكفي».. محمود محيي الدين يحدد 3 ثغرات تعطل عدالة التمويل المناخي الدولي، ما يرتبط بهذا الموضوع.
- الادخار المحلي: باعتباره حجر الأساس لتمويل التنمية المستدامة وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.
- الإيرادات العامة: لتأمين حيز مالي مستدام بديلًا عن التوسع المفرط في الاستدانة.
- التصدير: كمحرك رئيسي للنمو وتوفير النقد الأجنبي.
وشدد على أن التركيز على هذه المحاور الثلاثة لا يعني تجاهل تحديات الاستثمار والإنفاق والاستيراد، لكنه يمثل تصحيحًا لمدخلات استقرار الاقتصاد الكلي، لاسيما في ظل بيئة دولية تشهد تقلبات حادة وارتفاعًا في معدلات التضخم وتباطؤ النمو العالمي.
إصلاح نموذج النمو وفك اختناقات التمويل
ربط محيي الدين بين تراجع مستويات الادخار وطبيعة نموذج النمو وآليات تمويله، موضحًا أن التوسع المفرط في الاعتماد على الدين والاستثمارات العامة يؤدي عمليًا إلى مزاحمة القطاع الخاص على التمويل والموارد المتاحة.
وأشار إلى أن الحل يكمن في توفير ساحة تنافسية متكافئة تمكّن الشركات المحلية والأجنبية من الاستثمار وتحقيق الأرباح، وهو ما ينعكس تلقائيًا على دعم المالية العامة للدولة عبر توسيع النشاط الاقتصادي وتنمية الوعاء الضريبي، في إطار علاقة قائمة على الشراكة والنجاح المشترك.
تنويع الأدوات وتجارب دولية لتحفيز المدخرات
وحول آليات تعبئة المدخرات، دعا محيي الدين إلى:
- توسيع قاعدة الادخار: رفض التعامل مع المنافسة بين البنوك والقطاع المالي غير المصرفي وشركات التكنولوجيا المالية كلعبة صفرية على حجم أموال ثابت، مؤكدًا أن الهدف هو توسيع القاعدة وتنويع الأدوات تحت مظلة رقابية وتنظيمية واضحة.
- أدوات ادخار عائلية مبتكرة: دراسة تجربة سنغافورة في الحسابات الادخارية المخصصة للأطفال، وبحث تطبيق نماذج مشابهة بالتنسيق بين البنك المركزي المصري واتحاد البنوك ووزارة المالية.
- تطوير صناديق التأمينات والمعاشات: الاستفادة من تجارب ماليزيا وإندونيسيا وفيتنام في إدارة المدخرات المؤسسية وتوجيهها نحو مشروعات الاستثمار والتنمية طويلة الأجل.
واختتم محيي الدين بالتأكيد على أن التدابير الجزئية لزيادة الادخار ستظل محدودة الأثر دون تعديل جوهري في بنية نموذج النمو الاقتصادي، معلنًا أن الجلسة المقبلة للمنتدى ستُخصص لبحث ملف الإيرادات العامة والضرائب، والبناء على ما تحقق من إصلاحات في المنظومة الضريبية وآليات التحصيل.
