تراجع اليورو بنحو 2% خلال شهر سبتمبر الجاري مسجلاً نحو 1.137 دولار في أحدث تعاملاته، ليقترب من أدنى مستوياته المسجلة هذا العام ويبلغ قاع شهرين متتاليين، بعدما كان يقترب من مستوى 1.20 دولار في أغسطس الماضي. ويأتي هذا التراجع، بحسب تحليل منصة جلوبال بانكينج آند فاينانس، تحت وطأة صدمة جديدة في أسواق الطاقة الأوروبية وتصاعد المخاطر السياسية والمالية داخل كبرى اقتصادات القارة، بالتزامن مع استمرار قوة الدولار المدعوم بقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وتطلعات تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم.
ما أسباب تراجع سعر صرف اليورو أمام الدولار حالياً؟
يعود هبوط العملة الأوروبية الموحدة بالأساس إلى تزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع تجدد الضغوط التضخمية وتماسك العملة الأمريكية. فبعد أن حقق اليورو مكاسب بنحو 13% أمام الدولار خلال العام الماضي مستفيداً من مرونة اقتصاد منطقة اليورو، محت التطورات الأخيرة جزءاً كبيراً من ذروته الصيفية؛ إذ انخفض الصرف من مشارف 1.20 دولار في أغسطس إلى ما دون 1.14 دولار ثم إلى 1.137 دولار، وهو ما يمثل فقداناً قدره 0.063 دولار من قيمته المسجلة قرب القمة (حسابياً: [(1.20 – 1.137) ÷ 1.20] × 100 = تراجع بنسبة 5.25% عن ذروة أغسطس المذكورة).
وتواجه القارة تحديات إضافية تتمثل في تداعيات النزاع العسكري مع إيران، الذي أسفر عن عرقلة شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة عبر مضيق هرمز، ما دفع أسعار الغاز الأوروبية إلى تجاوز حاجز 80 يورو لكل ميجاوات/ساعة خلال سبتمبر الجاري للمرة الأولى منذ أواخر عام 2022، إلى جانب مخاوف غير أساسية يبديها المستثمرون إزاء احتمال فرض واشنطن حظراً على صادرات الديزل.
كيف تؤثر عوائد السندات الفرنسية والألمانية على مسار اليورو؟
تتحرك أسعار الصرف بالتوازي مع اتساع علاوة المخاطر في سوق الديون السيادية، حيث قفز الفارق بين عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية المصنفة ائتمانياً بدرجة «AAA» إلى أكثر من 110 نقاط أساس، نتيجة مخاوف مرتبطة بتراكم الدين العام وحالة الانسداد السياسي في باريس قبل انتخابات الرئاسة المقررة عام 2027.
ويرتبط هذا الاتساع بضغط مباشر على العملة وفق تقديرات استراتيجيي العملات لدى بنك أوف أمريكا، الذين حددوا أثر هذا المؤشر في المعادلة الآتية:
- حساسية الفارق: يرتبط كل اتساع إضافي بمقدار 10 نقاط أساس في فارق العائد بين فرنسا وألمانيا بانخفاض سعر صرف اليورو أمام الدولار بنسبة 0.4%.
- الأثر المتراكم للهامش الراهن: عند مستوى 110 نقاط أساس الحالية مقارنة بنقطة تعادل صفرية، يعادل الفارق ضغطاً سلبياً مقدراً بحوالي 4.4% على أداء العملة (حسابياً: [110 ÷ 10] × 0.4% = 4.4%).
هل يصمد الاقتصاد الأوروبي أمام تداعيات الشتاء والاضطرابات السياسية؟
تخضع قدرة الاقتصاد الأوروبي على الصمود لاختبار بالغ الصعوبة خلال فصلي الشتاء والربيع المقبلين؛ إذ أوضحت جين فولي، كبيرة استراتيجيي العملات لدى بنك رابوبنك، أن توقعاتها السابقة التي استهدفت وصول اليورو إلى 1.16 دولار خلال ثلاثة أشهر باتت تخضع للمراجعة الحذرة بفعل المخاوف المتراكمة، مشيرة إلى أن استمرار القوة الاقتصادية يواجه تساؤلات حقيقية بالتزامن مع احتمال تصاعد الاضطرابات السياسية في أوروبا بحلول ربيع العام المقبل.
وتتجلى هذه الصعوبات السياسية في ألمانيا؛ حيث يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضغوطاً متصاعدة عقب المكاسب التي حققها اليمين المتطرف في الانتخابات المحلية الأخيرة، الأمر الذي قد يرغمه على تقليص جدول أعمال الإصلاحات الاقتصادية التي تعهد بتنفيذها.
وعلى الرغم من وجود دعائم للعملة تتمثل في تسعير الأسواق لاحتمال إقدام البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة لمرة واحدة على الأقل خلال العام الجاري، يؤكد محللو منصة جلوبال بانكينج آند فاينانس أن استئناف المسار الصاعد لليورو يظل مشروطاً بانخفاض صريح ومستدام في أسعار الغاز دون مستوياتها المرتفعة الراهنة، وهو تحول لا تدل المؤشرات الحالية على قُرب تحققه.
