كشفت دراسة علمية متخصصة عن احتواء سرة البطن على بصمة كيميائية دقيقة ناتجة عن تفاعل خلايا الجلد الميتة والإفرازات الدهنية والعرق مع البكتيريا، إذ تنتج هذه البيئة مركبات عضوية متطايرة قد تعكس الحالة الصحية وتغيراتها الفسيولوجية. ورصد باحثون إمكانية رصد تغيرات تلك الجزيئات لتمييز أنماط مرتبطة باعتلالات معينة، مستندين إلى تجارب مخبرية حللت مسحات مأخوذة من 24 مشاركاً عبر تقنيات طيفية متطورة لرصد الانبعاثات الحيوية غير المرئية ومقارنتها بالحالات السريرية المختلفة.
ما آلية تكون المركبات المتطايرة في سرة البطن؟
تنشأ الرائحة والمركبات في التجويف السري نتيجة تفاعل بيولوجي ثلاثي مستمر بين النسيج الحيوي والبيئة الميكروبية؛ حيث تتراكم خلايا البشرة الميتة مع الزهم والتعرق، مشكلة وسطاً غذائياً خصباً لسلالات بكتيرية متوطنة. يؤدي هذا النشاط الحيوي الموضعي إلى انبعاث مركبات عضوية متطايرة تنتشر بسهولة في الهواء المحيط.
تتميز هذه الجزيئات بحساسية شديدة للتغيرات الحيوية الداخلية، ما يجعل تركيزها وتكوينها الكيميائي مرآة محتملة لما يدور داخل أجهزة الجسم، وهو ما دفع الفريق البحثي لدراسة إمكانية قراءة هذه الغازات كعلامات حيوية للرصد المبكر.
كيف صمم الباحثون تجربة فحص البصمة الكيميائية ومواضع المسحات؟
اعتمد التصميم التجريبي على توزيع 24 مشاركاً بالتساوي عبر أربع فئات محددة (حسابياً: 24 مشاركاً ÷ 4 مجموعات) بواقع 6 أفراد في كل مجموعة: مصابون بمرض باركنسون، ومرضى يعانون من ضعف إدراكي خفيف، ومصابون بفيروس كوفيد-19، إلى جانب مجموعة مرجعية تضم 6 أشخاص أصحاء.
جمع الباحثون المسحات من ثلاثة مواضع محددة من كل مريض:
- داخل الأنف: لتقييم الغازات التنفسية ومستودعات الإفراز المخاطي.
- صدفة الأذن: باعتبارها الجزء المقعر داخل الأذن الخارجية المسؤول عن تجميع وتوجيه الصوت نحو القناة السمعية.
- سرة البطن: كموضع محمي ومقيد بيولوجياً.
وقع الاختيار على هذه المناطق الجسدية تحديداً لكونها الأقل تعرضاً للصابون والعطور ومستحضرات التجميل مقارنة بسطح الجلد المكشوف، ما يحافظ على نقاء العينات المجمعة ويمنع تداخل الملوثات الكيميائية الخارجية.
ماذا كشفت تقنية مطيافية الصوت الضوئي المعتمدة على الليزر؟
أخضع الباحثون المسحات المجمعة لتقنية «مطيافية الصوت الضوئي المعتمدة على الليزر»، وهي طريقة قياس فيزيائية ترتكز على إطلاق أشعة تحت حمراء لترصد أطياف الامتصاص الخاصة بالجزيئات، محولة إياها إلى بصمات طيفية فريدة لكل عينة.
خضعت البيانات الطيفية للتحليل الإحصائي المقارن، وأسفرت النتائج عن مؤشرات متباينة:
- تمييز الضعف الإدراكي: حققت مسحات السرة والأنف انفصالاً وتمايزاً واضحاً بين العينات المأخوذة من المصابين بضعف إدراكي خفيف وتلك الخاصة بالأشخاص الأصحاء.
- تداخل باركنسون وكوفيد-19: أظهرت بصمات مرضى باركنسون والمصابين بكوفيد-19 تداخلاً جزيئياً مع الفئات الأخرى، ما حال دون فصلهما بشكل قاطع في المسح الأولي.
- اختبار الثبات الزمني: أجرى الفريق فحصاً تأكيدياً بعد مرور أسبوعين لعينات 3 مصابين إضافيين بمرض باركنسون، وجاءت البصمات مطابقة للمجموعة الأولى، ما يشير إلى أن النمط لا يرتبط فقط بتوقيت جمع المسحة بل بالمركب الجزيئي الملازم للحالة، مع استمرار قيد محدودية العدد لمنع التعميم الإحصائي الحاسم.
هل تتحول مسحات السرة إلى أداة فحص طبي سريري؟
توصل التحليل إلى أن رصد 5 أطوال موجية فقط عبر تقنيات الامتصاص الضوئي كافٍ لتمييز الأنماط المسجلة في التجربة، وهو ما يفتح مساراً هندسياً لتطوير أجهزة مدمجة ومحمولة ذات تكلفة منخفضة للفحص السريع مستقبلاً.
ورغم هذا التطور، لا تعد هذه التقنية وسيلة تشخيصية جاهزة للاستخدام السريري حالياً، نظراً لجملة من المحددات المنهجية التي تمنع الاعتماد عليها طبياً في الوقت الراهن:
- صغر العينة: انحصار القياس في نطاق 24 فرداً يجعل من الصعب الجزم بارتباط التباين بالمرض مباشرة أو بعوامل تمايز فسيولوجية أخرى كفروق الأعمار.
- البيئة المعملية المغلقة: أجريت التحاليل تحت شروط بيئية بالغة الدقة، في حين تؤدي منتجات العناية بالبشرة والممارسات اليومية في الظروف الحياتية المفتوحة إلى تحوير طبيعة المركبات المتطايرة على الجلد.
تقتضي المرحلة المقبلة إجراء أبحاث موسعة تشمل عينات تطوعية أكبر، مع مطابقة فئات الأعمار ودراسة تأثير المتغيرات اليومية، لحسم مدى قدرة فحص مسحات السرة على التحول إلى أداة تشخيص واقعية تدعم المنظومة الصحية.
