أظهرت دراسة أسترالية حديثة أن ارتفاع مستويات تعرض الأمهات لمادة DEHP الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أثناء الحمل يرتبط بزيادة أعراض فرط النشاط ونقص الانتباه ومشكلات التفاعل الاجتماعي لدى الأطفال عند بلوغهم عامين وأربعة أعوام، وذلك استناداً إلى تحليل بيانات 847 امرأة حاملاً، مع تشديد الفريق البحثي على أن النتائج ترصد ارتباطاً حيوياً ولا تثبت علاقة سببية مباشرة.
ما هي مادة DEHP وطرق انتقالها إلى الجسم؟
تُعد مادة DEHP، المعروفة علمياً باسم ثنائي (2-إيثيل هكسيل) فثالات، مركباً كيميائياً يدخل في تصنيع طيف واسع من المنتجات البلاستيكية لزيادة مرونتها. وتتسرب هذه المادة إلى جسم الإنسان عبر ثلاثة مسارات رئيسية تشمل استهلاك الأطعمة الملوثة، أو استنشاق الهواء الحاوي على جزيئاتها، أو الامتصاص المباشر عبر ملامسة الجلد للمنتجات المصنعة منها.
كيف تؤثر مادة DEHP على جينات نمو الدماغ؟
تؤثر المادة في مراحل تطور الجهاز العصبي للجنين عبر آلية البرمجة فوق الجينية (Epigenetics)، وهي تغيرات حيوية تُعدل نشاط الجينات من خلال عملية «مثيلة الحمض النووي» دون إحداث تغيير في تسلسل الشفرة الوراثية نفسها.
وفي سياق متصل، تناولت تقارير سابقة دراسة سريرية تربط الصيام المتقطع بتحسن مؤشرات مرض هنتنغتون لدى 20 مصاباً، ما يرتبط بهذا الموضوع.
واعتمدت نتائج الفريق البحثي على منهجية تتبعية شملت المراحل التالية:
- جمع العينات المخبرية: حلل الباحثون عينات بول مأخوذة من 847 امرأة في الأسبوع السادس والثلاثين من الحمل، متبوعة بعينات من دم الحبل السري فور الولادة لقياس مستويات المادة وتأثيراتها الحيوية.
- الرصد السلوكي: خضع الأطفال للتقييم في عمر عامين وأربعة أعوام عبر استبيانات معيارية أجاب عنها أولياء الأمور لقياس الانتباه، ومستويات الحركة، ونمط التواصل مع الأقران.
- الشبكة الجينية المشتركة: رصدت الدراسة تأثر شبكة جينية تضم 531 جيناً تُعرف باسم Co-MN1، وهي المسؤولة عن تنظيم عمليات نمو الدماغ والتحكم بالسلوك؛ حيث تتقاطع هذه المجموعة مع جينات ترتبط باضطرابي التوحد وفرط الحركة ونقص الانتباه، وأبرزها جين FOXP1 وجين SHANK2.
- حجم التأثير: سُجلت أقوى الارتباطات بالأعراض السلوكية لدى شريحة الأطفال الذين تعرضت أمهاتهم لأعلى مستويات من المادة، والمحصورة في أعلى 2% من عينة الدراسة.
هل يسبب التعرض للبلاستيك التوحد وفرط الحركة بشكل قطعي؟
لا تثبت معطيات الدراسة تسبب مادة DEHP بصورة قطعية في نشوء اضطراب طيف التوحد أو نقص الانتباه وفرط الحركة؛ إذ ترجع هذه الاضطرابات النمائية إلى تداخلات معقدة تجمع بين عوامل وراثية وبيئية متعددة لا تنفرد بها مادة كيميائية واحدة.
وفي المقابل، كشفت المقارنات الحيوية أن اتباع الحوامل لنظام غذائي يرتكز على الأغذية الكاملة وغير المصنعة ارتبط بتأثيرات معاكسة إيجابية على شبكة الجينات ذاتها (Co-MN1)، وتزامن مع تراجع ملحوظ في مشكلات تشتت الانتباه وتحسن مهارات الاندماج الاجتماعي لدى الأطفال، مما يعزز أهمية تحديد الحدود الآمنة للتعرض البيئي للمركبات البلاستيكية خلال فترات الحمل.
