
أوضحت دار الإفتاء المصرية المقصود بـ «مكر الله» الوارد في الآيات القرآنية، لاسيما قوله عز وجل في سورة الأنفال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، مبينةً المنهج اللغوي والعقدي الصحيح في فهم هذه النصوص الشريفة بما يدفع أي توهم لا يليق بالجناب الإلهي.
أسلوب المشاكلة والمقابلة في البلاغة القرآنية
أكدت دار الإفتاء أن التعبير بالمكر في حق الله تعالى جاء مَسُوقًا على سبيل «المشاكلة والمقابلة» كما يقرر علماء البلاغة. وهذا الأسلوب يعد من الأساليب اللغوية البليغة التي كثر ورودها في القرآن الكريم لبيان المقابلة التامة بين أفعال الخلق وجزاء الله عليها.
ومن الشواهد القرآنية الأخرى التي جرت مجرى هذا الأسلوب البلاغي:
- قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67].
- قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: 14].
- قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: 15، 16].
هل يوصف الله عز وجل بالمكر أو الكيد ابتداءً؟
شددت الفتوى على أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بالمكر ولا بالكيد ابتداءً؛ إذ إن ذاته العلية منزهة عن هذه الصفات بمفهومها البشري، كما أنه سبحانه منزه تنزيهًا مطلقًا عن النسيان، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64].
والمقصود الحقيقي من هذه الآيات يتلخص في قاعدتين أساسيتين:
- الجزاء من جنس العمل: أن العقاب الذي يلحق الماكرين والكائدين سمي بمكر وكيد من باب المقابلة اللفظية والمشاكلة.
- عظمة القدرة الإلهية: إظهار أن مكر هؤلاء المخالفين وكيدهم -مهما عظم- لا يمثل شيئًا أمام قدرة الله وقاهريته وانتقامه وتدبيره المحكم لإهلاكهم وقمع شرهم وباطلهم.
قاعدة التنزيه المطلق في الصفات الإلهية
أشارت دار الإفتاء إلى قانون كلي في التعامل مع الصفات الإلهية، وهو أن كل ما أضافه الله تعالى لنفسه من صفات وأفعال فهو منزه تمامًا عما يخطر بالبال من صفات المخلوقين وأفعالهم، مستندة إلى القاعدة الشهيرة: «كل ما خطر ببالك فالله تعالى خلاف ذلك».
واختتمت الإفتاء توضيحها بالتأكيد على حدود العقل البشري في إدراك الذات الإلهية، مستشهدة بالمقولة:
«العجز عن درك الإدراك إدراكُ… والبحث في كُنْهِ ذات الرب إشراكُ»
