الصين ومستقبل الأدوية: كيف يُحدث مشروع “أينشتاين الذكاء الاصطناعي” ثورة في الاكتشاف؟

الصين ومستقبل الأدوية: كيف يُحدث مشروع “أينشتاين الذكاء الاصطناعي” ثورة في الاكتشاف؟

تضع شركة Insilico Medicine، المدعومة من مؤسسة هونغ كونغ للاستثمار (HKIC)، الصين في صميم استراتيجيتها الطموحة لتطوير مشروع “أينشتاين الذكاء الاصطناعي”، بهدف إحداث نقلة نوعية في اكتشاف الأدوية المستقبلية وتقليل المخاطر والتكاليف المرتبطة بالبحث التقليدي، مما يفتح آفاقاً غير مسبوقة لتسريع وصول العلاجات الجديدة للمرضى.

يُقر مؤسس الشركة، أليكس جافورونكوف، بأن قطاع التكنولوجيا الحيوية يحمل مخاطر عالية، واصفاً إياه بـ “كازينو جزيئي” حيث قد تفشل التجارب بنسبة تصل إلى 90% حتى مع أحدث التقنيات. لكنه يؤكد أن أدوات الذكاء الاصطناعي تمنح العلماء فرصة حاسمة لتقليص الزمن والتكلفة الباهظة لعملية البحث والتطوير، مما يعزز بشكل كبير فرص النجاح في مراحلها المبكرة.

تُعد منصة “Pharma.AI” التي طورتها الشركة على مدار 11 عاماً، جوهر هذا المشروع، حيث تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف الأدوية ورفع مستوى الابتكار والدقة. يشبه جافورونكوف هذه المنصة بعقل أينشتاين، لقدرتها على دمج تخصصات متعددة مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، وحتى القدرة على “الكتابة” (في إشارة إلى توليد جزيئات جديدة)، لدفع حدود البحث الدوائي إلى مستويات لم تكن ممكنة سابقاً.

تعتمد المنصة على تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي لقراءة وتحليل بيانات الجينوم والبيانات البيولوجية المعقدة، ثم تصميم جزيئات دوائية جديدة بالكامل من الصفر، بدلاً من مجرد فحص مكتبات كيميائية موجودة. وتخطط Insilico لفتح جزء من هذه القدرات المتقدمة لشركات أخرى خلال ثلاث إلى خمس سنوات، مما يتيح لشركات الأدوية والتقنية تسريع اكتشافاتها مقابل اشتراكات شهرية رمزية قد تصل إلى 20 دولاراً، وهو ما يمثل نموذجاً جديداً للتعاون في الصناعة.

لماذا الصين محور استراتيجية Insilico Medicine؟

يرى جافورونكوف أن الصين تمثل الساحة الأهم عالمياً في مجال اكتشاف الأدوية، ليس فقط بسبب حجم سوقها، بل لأنها تضم أكثر شركات التكنولوجيا الحيوية كفاءة. ويؤكد أن “عدم المنافسة في الصين يعني عدم المنافسة عالمياً”، مشيراً إلى البنية التحتية المتطورة في مناطق مثل تشانغجيانغ بشنغهاي، التي تسمح بإجراء جميع مراحل البحث، من التخليق الكيميائي إلى التجارب الحيوانية، في موقع واحد، مما يحقق كفاءة اقتصادية وزمنية هائلة عند دمج الذكاء الاصطناعي.

تجسد الشراكات مع الشركات الصينية هذا التوجه، فمثلاً، أثمر التعاون مع “Fosun Pharma” عن تطوير دواء مناعي لعلاج السرطان وصل إلى مرحلة ما قبل التجارب السريرية في تسعة أشهر فقط، وهو رقم قياسي. بفضل الذكاء الاصطناعي، تقلصت هذه المدة إلى ما بين 12 و18 شهراً، مقارنة بنحو أربع سنوات ونصف بالأساليب التقليدية، مع تحقيق نسبة نجاح كاملة حتى الآن في الانتقال إلى المرحلة الأولى من التجارب السريرية، مما يبرهن على فعالية النهج الجديد.

رغم هذه الإنجازات، من المهم إدراك أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي التحديات الجوهرية في اكتشاف الأدوية، بل يعيد تشكيلها. فالنجاح في المرحلة قبل السريرية لا يضمن بالضرورة الموافقة النهائية، لكنه يقلل بشكل كبير من عدد المركبات التي تفشل لاحقاً، مما يوفر موارد هائلة ويسمح بالتركيز على المرشحات الواعدة.

طموحات عالمية وتمويل يدعم الابتكار

تتجاوز طموحات Insilico Medicine الحدود الصينية، فللشركة حضور عالمي في هونغ كونغ وشنغهاي وتايوان وكندا والشرق الأوسط. وفي سبتمبر الماضي، أطلقت الشركة بالتعاون مع مؤسسة هونغ كونغ للاستثمار مبادرة “Longevity Frontier Space” التي تتضمن حاضنة لاكتشاف الأدوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتطمح الشركة إلى توسيع عمليات البحث والتطوير في الصين والعالم، ضمن رؤية طويلة الأمد لتحويلها إلى “ماكدونالدز لاكتشاف الأدوية”، عبر إنشاء مراكز بحثية عالمية لتحويل الاستثمارات إلى أدوية، والأدوية إلى حياة أطول.

عززت الشركة قدراتها التمويلية بشكل كبير خلال طرحها العام الأولي في بورصة هونغ كونغ هذا الشهر، حيث جمعت نحو 2.28 مليار دولار هونغ كونغي (ما يعادل 293 مليون دولار أميركي)، بمشاركة مستثمرين بارزين مثل “Eli Lilly” و”Tencent” و”Temasek” و”UBS”. وتعتزم Insilico توجيه ما يقرب من نصف هذه العائدات لتمويل البحث والتطوير، بالإضافة إلى تخصيص جزء آخر لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة وتوسيع مختبراتها المؤتمتة، مما يؤكد إيمانها الراسخ بأن الذكاء الاصطناعي، وبدعم قوي من الصين، هو المحرك الأساسي لمستقبل اكتشاف الأدوية.