فقد الإعلام العربي اليوم، بوفاة المذيع الأردني جميل عازر في لندن عن عمر ناهز 88 عامًا، أحد أبرز مؤسسي قناة الجزيرة وصاحب شعارها الأيقوني «الرأي والرأي الآخر»، ما يمثل نهاية حقبة لصوت إعلامي شكّل هوية إخبارية مميزة لأكثر من نصف قرن. لم يكن عازر مجرد مذيع، بل كان مهندسًا لأسلوب صحفي اتسم بالرصانة والعمق، تاركًا بصمة لا تُمحى في وعي المشاهد العربي.
تأكيدًا لدوره المحوري، نعى الإعلامي محمد كريشان زميله الراحل، مشيرًا إلى أن عازر كان من الجيل المؤسس للجزيرة قبل نحو ثلاثة عقود، وأن شعار «الرأي والرأي الآخر» الذي ارتبط به، لم يكن مجرد عبارة تسويقية، بل كان فلسفة إعلامية رسخت مبدأ التعددية في الطرح، وغيرت مسار الإعلام العربي نحو مساحة أوسع للنقاش. هذا المبدأ هو ما منحه حضورًا خاصًا وطلّة مميزة على الشاشة، قبل تقاعده وعودته إلى لندن.
بدأ جميل عازر مسيرته الإعلامية في ستينيات القرن الماضي من الإذاعة الأردنية، بعد ولادته في بلدة الحصن بإربد عام 1937، حيث صقل هناك صوته الهادئ الواثق وأداءه الرصين ومفرداته الدقيقة. هذه المرحلة التأسيسية لم تمنحه الشهرة المحلية فحسب، بل شكلت الأساس لأسلوبه الاحترافي الذي ميزه لاحقًا على الساحة الدولية، وجعل منه صوتًا مؤثرًا ومألوفًا يثق به الجمهور.
انتقاله إلى هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بين عامي 1965 و1994، شكل محطة مفصلية في مسيرته، حيث عمل محررًا للأخبار بالإنجليزية ومقدمًا لبرامج إخبارية وشؤون الساعة، ثم تدرج ليصبح كبير مخرجي قسم الأخبار ومساعد رئيس القسم العربي. هذه التجربة الغنية في مؤسسة إعلامية عالمية منحته فهمًا عميقًا للمعايير الصحفية الدولية، وأكسبته رؤية تحريرية متقدمة، وهو ما انعكس لاحقًا على قدرته في صياغة هوية الجزيرة الإعلامية.
مع انطلاق قناة الجزيرة في 30 يوليو 1996، كان جميل عازر حاضرًا منذ اللحظة الأولى، مستثمرًا خبرته الدولية في صياغة هويتها الإعلامية. لم يقتصر دوره على تقديم الأخبار كأحد أبرز وجوه القناة، بل امتد ليشمل إعداد وتقديم برامج، والإشراف على الملف الأسبوعي، وتولي مهام التدقيق اللغوي والإخباري، بالإضافة إلى عضويته في هيئة التحرير. هذا التعدد في الأدوار يؤكد عمق بصمته في بناء مصداقية القناة وتوجهها التحريري.
برحيل جميل عازر، لا يفقد الإعلام العربي مجرد مذيع، بل يخسر مدرسة مهنية متكاملة جمعت بين الصوت الهادئ، واللغة الرصينة، والحضور المتزن، وبين مبدأ «الرأي والرأي الآخر» كمنهج لتقديم المعلومة لا مجرد إثارة الجدل. إرثه يذكرنا بقيمة الصحافة الجادة التي تسعى للفهم العميق لا السطحية، ويبقى اسمه محفورًا في ذاكرة المشاهدين كأحد رموز الإعلام الذي بنى جسورًا من الثقة والمعرفة.
تابعنا على جوجل نيوز
قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات ..
متابعة