يُعد الإعلام الحديث أداة محورية في تشكيل المجتمعات، متجاوزًا مجرد نقل الأخبار ليصبح فاعلًا أساسيًا في بناء القيم وتوجيه الاتجاهات وتعزيز الانتماء الوطني أو إضعافه. وفي ظل الحملات الإعلامية المغرضة التي تستهدف الدولة المصرية عبر بعض المنصات الممولة ووسائل التواصل الاجتماعي، تبرز الحاجة الماسة لخطاب إعلامي واعٍ يستند إلى القيم الدينية والوطنية، ليحمي الوعي الجمعي من التضليل والتشويه، ويؤكد أن الوطنية مسؤولية أخلاقية ودينية، مستلهمًا من القيم القرآنية أساسًا متينًا للإعلام المسؤول الذي يصون استقرار الوطن وصورته.
يؤكد قول الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد﴾ على القيمة الجوهرية للكلمة وخطورة ما يصدر عن الإنسان، فالكلمة في المنظور الإسلامي ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أمانة يُحاسَب عليها صاحبها. وفي السياق الإعلامي، تتضاعف هذه المسؤولية بشكل كبير، حيث يمكن لكلمة واحدة أن تؤثر في الرأي العام، فتزرع الشك أو الطمأنينة، وتبني الثقة أو تهدمها، مما يوضح الأثر العميق للمحتوى الإعلامي.
من هذا المنطلق، يصبح تحري الحقيقة والالتزام بالمصداقية وتجنب الانسياق خلف الشائعات واجبًا دينيًا ووطنيًا، خصوصًا مع محاولات استهداف الوطن بأخبار مضللة تهدف إلى زعزعة الثقة بين المواطن ودولته. وقد عزز النبي صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم بقوله: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع»، وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وهي توجيهات نبوية تؤسس لأخلاقيات إعلامية تحصّن الفرد والمجتمع والدولة من فوضى المعلومات.
وتبرز قيمة العمل وأثره في قوله تعالى: ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾، حيث يقرر القرآن أن كل فعل، مهما بدا صغيرًا، له نتائج وآثار. وفي عالم الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لا يُعد النشر أو المشاركة أو التعليق فعلًا بسيطًا أو عديم الأثر، بل هو فعل أخلاقي يسهم إما في دعم الاستقرار أو في نشر الفوضى. فإعادة نشر محتوى مسيء للوطن أو مشكك في قيادته أو إنجازاته، حتى لو كان بحسن نية، يُعد مشاركة في الإضرار، بينما دعم المحتوى الإيجابي ونشر الحقائق وإبراز الجهود الوطنية هو عمل صالح له أثره الديني والوطني، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدال على الخير كفاعله».
من منظور علم الاجتماع، يُنظر إلى الإعلام كأحد أقوى أدوات التنشئة الاجتماعية، حيث يرسخ تكرار الرسائل الإعلامية مفاهيم ومعايير جديدة في وعي الأفراد. أما علماء النفس، فيؤكدون أن التعرض المستمر للخطاب السلبي يولد الإحباط وفقدان الثقة، بينما يسهم الخطاب الإيجابي المتوازن في تعزيز الانتماء الوطني وبناء الشعور بالأمان. لهذا، فإن الإعلام الملتزم بالقيم الأخلاقية يحمي الصحة النفسية للمجتمع، ويعزز التماسك الاجتماعي، ويقلل من تأثير الحملات المعادية.
وتوضح الآيتان الكريمتان: ﴿فأمّا من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى، وأمّا من بخل واستغنى وكذّب بالحسنى فسنيسّره للعسرى﴾ مبدأ حرية الاختيار وتحمل المسؤولية، فالإنسان هو من يختار طريقه، ثم يُيسَّر له ما اختاره. ينطبق هذا المعنى على العمل الإعلامي، حيث يملك الإعلامي والمؤسسة الإعلامية، وحتى الفرد العادي، حرية اختيار المسار في التعامل مع المعلومة. فإذا اختار الصدق والإنصاف وخدمة المصلحة العامة، ييسر الله له التأثير الإيجابي، وإذا اختار التشويه والإثارة والكذب، كان مآله فقدان المصداقية. وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي إعلام، وأن المجتمعات التي تفقد الثقة في إعلامها تصبح أكثر عرضة للانقسام والتأثر الخارجي.
إن حماية الوطن، وخاصة الدولة المصرية، من الإعلام ووسائل التواصل المغرضة ليست مسؤولية الجهات الرسمية وحدها، بل هي واجب مشترك يبدأ من وعي الفرد والتزامه بالقيم الإسلامية في القول والعمل والاختيار. فالوطنية الصادقة لا تعني تزييف الواقع أو إنكار التحديات، بل تعني الصدق والعدل والإنصاف، والدفاع عن الوطن بالحقيقة والعقل والحجة. وعندما يلتزم الإعلام بهذه القيم، فإنه يتحول إلى أداة بناء وحماية، ويصبح حصنًا منيعًا يحفظ استقرار الوطن، ويصون صورته، ويعزز انتماء أبنائه، ليجتمع الواجب الديني والواجب الوطني في خدمة الإنسان والمجتمع والدولة.
تابعنا على جوجل نيوز
قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات ..
متابعة