سيولة البنوك تهجر «الوديعة الثابتة» لأدنى مستوى منذ 2022.. أين ذهبت الأموال؟

يعكس انخفاض السيولة التي تودعها البنوك لدى البنك المركزي المصري إلى 62.9 مليار جنيه — وهو المستوى الأدنى منذ مايو 2022 — تحولاً استراتيجياً في إدارة الفوائض المالية، وليس نقصاً في السيولة نفسها. هذا التراجع الحاد جاء كرد فعل فوري ومحسوب بعد قرار البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة بنسبة 1% منتصف الأسبوع الماضي؛ مما جعل العائد على الوديعة الثابتة (20.50%) أقل جاذبية مقارنة ببدائل استثمارية أخرى، ليدفع البنوك نحو إعادة توجيه أموالها لتعظيم الربحية في بيئة الفائدة المتغيرة.

لماذا انسحبت البنوك من عطاء الوديعة الثابتة؟

لم يكن عزوف البنوك عن المشاركة في عطاء الوديعة الثابتة عشوائياً، بل جاء نتيجة مباشرة لتقلص هامش العائد بعد التخفيض الخامس لأسعار الفائدة خلال عام 2025. ومع وصول سعر الفائدة الأساسي للإيداع إلى 20% والإقراض إلى 21%، انخفض عدد البنوك المشاركة في العطاء الأخير إلى خمسة بنوك فقط. هذا السلوك يشير بوضوح إلى أن العائد الحالي للوديعة الثابتة لم يعد كافياً لإقناع مديري الخزانة في البنوك بتجميد سيولتهم في هذه الأداة، خاصة مع وجود قنوات حكومية أخرى تمنح عوائد أعلى بكثير.

أذون الخزانة.. البديل الأكثر ربحية

تفسر أرقام العوائد سبب هجرة الأموال من «المركزي» إلى «أذون الخزانة»؛ فبينما تمنح الوديعة الثابتة 20.50%، قفزت عوائد أذون الخزانة لأجل ثلاثة أشهر إلى 25.46%، ولأجل تسعة أشهر إلى 24.99%. هذا الفارق الكبير في العائد (Gap) دفع البنوك لضخ سيولة ضخمة في الأذون الحكومية، مما مكن البنك المركزي من جمع أكثر من 115 مليار جنيه في طرح واحد، متجاوزاً المستهدف المعلن (60 مليار جنيه) بنسبة تقارب الضعف. البنوك هنا تشتري الدين الحكومي لتعويض تراجع الفائدة الأساسية.

تصحيح مفهوم: هل تعاني البنوك من أزمة سيولة؟

قد يُفهم من انخفاض الودائع لدى المركزي أن البنوك تواجه شحاً في السيولة، وهذا غير صحيح. الواقع أن السيولة متوفرة وبكثرة، بدليل تغطية طرح أذون الخزانة بأرقام قياسية. ما يحدث هو عملية «تدوير للأصول» (Asset Reallocation)؛ حيث تنتقل الأموال من خزائن البنك المركزي (كوديعة) إلى تمويل الموازنة العامة (كأذون خزانة) لاقتناص العوائد المرتفعة قبل أن تتأثر هي الأخرى بموجة التخفيضات المتوقعة.

مسار الفائدة واجتماع 17 فبراير

يضع هذا التحول البنك المركزي أمام مشهد جديد قبل اجتماعه المرتقب في 17 فبراير؛ فاستمرار البنوك في تفضيل أدوات الدين الحكومي يضمن تمويل الموازنة، لكنه قد يضغط على منحنى العائد مستقبلاً. ومع استمرار سياسة التيسير النقدي لضبط التضخم، ستضطر البنوك لمواصلة البحث عن توازن دقيق بين المخاطر والعوائد، حيث يتوقع أن تظل أذون الخزانة هي الملاذ المفضل للسيولة المصرفية طالما بقي الفارق في العائد لصالحها.

تابعنا على جوجل نيوز

قم بمتابعة موقعنا على جوجل نيوز للحصول على اخر الاخبار والمشاركات والتحديثات ..

متابعة