رسخ اللقاء الذي جمع الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بمرشحي مكاتب الدفاع بالسفارات المصرية، مفهومًا جديدًا للدبلوماسية العسكرية يعتمد على اعتبار التكنولوجيا ساحة نفوذ دولية وليست مجرد قطاع خدمي. اللقاء الذي عُقد بمعهد دراسات العلوم المخابراتية والأمنية، استهدف تزويد الدبلوماسيين العسكريين برؤية شاملة حول قدرات مصر الرقمية، بدءًا من البنية التحتية للكابلات البحرية وصولًا إلى توطين صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي، باعتبارها أدوات تأثير مباشر في الأمن القومي والعلاقات الدولية في ظل تصاعد الحروب السيبرانية.
التكنولوجيا كأداة ردع ونفوذ دبلوماسي
لم يعد قطاع الاتصالات ملفًا اقتصاديًا فحسب، بل تحول إلى ركيزة للأمن القومي المصري، حيث أوضح الوزير للملحقين العسكريين أن العالم يشهد سباقًا محمومًا في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي. وتستند القوة الاستراتيجية لمصر هنا إلى مركزها الجغرافي الذي تمر عبره 21 كابلًا بحريًا دوليًا، تنقل 90% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا؛ مما يمنح مصر ثقلًا جيوسياسيًا يخدم أكثر من 60 دولة، ويجعل من حماية هذه البنية وتطويرها أولوية قصوى للدولة وممثليها بالخارج.
مؤشرات الاقتصاد الرقمي وتوطين الصناعة (2025)
كشفت بيانات الوزارة عن طفرة نوعية في تحويل مصر إلى مركز تصنيع وتصدير تكنولوجي، حيث تجاوزت الصادرات الرقمية حاجز 7.4 مليار دولار خلال عام 2025، مع استهداف الوصول إلى 9 مليارات دولار قريبًا. وفي ملف التصنيع المحلي، نجحت مصر في جذب 15 علامة تجارية عالمية لتصنيع الهواتف المحمولة، محققة إنتاج 10 ملايين جهاز في 2025 بنسبة مكون محلي بلغت 40%، مع خطة لرفع الإنتاج إلى 15 مليون جهاز وبدء التصدير الفعلي العام المقبل، مما يعكس تحولًا من الاستهلاك إلى الإنتاج.
القوى الناعمة: التعليم وتصدير الكفاءات
تعتمد استراتيجية مصر لتعظيم صادرات التعهيد (Outsourcing) على العنصر البشري كسلعة استراتيجية، حيث تستهدف الوزارة تدريب 800 ألف متخصص هذا العام والوصول إلى مليون متدرب بحلول 2030. ويدعم هذا التوجه بنية تعليمية متخصصة تشمل 27 مدرسة تكنولوجيا تطبيقية (WE) وجامعة مصر للمعلوماتية التي خرجت أولى دفعاتها، مما وفر قاعدة كفاءات جذبت 55 شركة عالمية مؤخرًا لتأسيس مراكز تعهيد توفر 75 ألف فرصة عمل جديدة، تضاف إلى 60 ألف فرصة تم خلقها في السنوات الثلاث الماضية.
الخدمات الحكومية والجيل الخامس
على صعيد الخدمات الموجهة للمواطن، باتت منصة «مصر الرقمية» تقدم 210 خدمات حكومية لأكثر من 10 ملايين مستخدم، شملت مؤخرًا خدمات للمصريين بالخارج ورقمنة سداد المخالفات. وتستعد الوزارة لمرحلة جديدة من تحسين جودة الاتصالات عبر التوسع في شبكات الألياف الضوئية وإطلاق خدمات الجيل الخامس (5G)، مما يعزز سرعة وكفاءة البيانات سواء للاستخدام المحلي أو لقطاع الأعمال.
تصحيح مفاهيم:
قد يعتقد البعض أن «التصنيع المحلي» للهواتف يعني التجميع فقط، لكن النسبة المعلنة (40% قيمة مضافة محلية) تشير إلى دخول مصر في تصنيع مكونات دقيقة وتغليفها، وليس مجرد تجميع القطع المستوردة، وهو ما يؤسس لصناعة إلكترونيات حقيقية قابلة للتصدير والمنافسة السعرية في الأسواق الخارجية.
