تتفاوت الأدلة العلمية بشأن تأثير الجلوتين على الأشخاص غير المصابين بمرض السيلياك أو حساسية الجلوتين، مع استمرار الجدل حول دوره المحتمل في تفاقم أعراض القولون العصبي وبعض أمراض المناعة الذاتية مثل السكري من النوع الأول والتهاب الغدة الدرقية لهاشيموتو والتهاب المفاصل الروماتويدي.
استعرض تقرير نُشر في مجلة Today’s Dietitian في الأول من أبريل 2022، أعدته اختصاصية التغذية ليزا أندروز، طبيعة العلاقة بين هذا البروتينات الموجودة في القمح والشعير والجاودار وبين عدد من الاضطرابات الصحية المزمنة والهضمية.
الجلوتين والسيلياك وحساسية الأمعاء
يُعد الجلوتين مجموعة من البروتينات التي تمنح العجين مرونته وقوامه، وهو يمثل ضرورة طبية تستدعي الامتناع عنه مدى الحياة بالنسبة لمرضى السيلياك لتجنب الاستجابة المناعية الضارة ببطانة الأمعاء الدقيقة، والتي قد تؤدي إلى سوء امتصاص العناصر الغذائية ونقص الفيتامينات والمعادن.
أما المصابون بحساسية الجلوتين غير المرتبطة بالسيلياك، فتظهر لديهم أعراض تشمل الانتفاخ وآلام البطن واضطرابات الهضم بعد تناول الأطعمة المحتوية عليه، دون حدوث الضرر المعوي المميز لمرض السيلياك.
تأثير الجلوتين على أعراض القولون العصبي
تشير نتائج الدراسات المتاحة بشأن القولون العصبي إلى تفضيل الحذر والانتباه لمصادر الأعراض الأخرى، إذ لا يُعد الجلوتين بالضرورة السبب الرئيسي لجميع المرضى.
أظهرت دراسة صغيرة شملت 30 مشاركًا انخفاض أعراض القولون العصبي بعد 6 أسابيع من اتباع نظام يجمع بين تقليل الكربوهيدرات القابلة للتخمر المعروفة باسم FODMAPs والامتناع عن الجلوتين.
في المقابل، سجلت تجربة شملت 34 شخصًا مصابًا بالقولون العصبي ولا يعانون من السيلياك زيادة في الأعراض الهضمية لدى من تناولوا الجلوتين بعد فترة استبعاد دامت 6 أسابيع مقارنة بمجموعة العلاج الوهمي، بينما ربطت دراسة أخرى تضم 60 مشاركًا إعادة تناول الجلوتين بزيادة شدة آلام البطن والانتفاخ والتعب.
وعلى النقيض من ذلك، أشارت دراسة أحدث شملت 103 مشاركين إلى أن الكربوهيدرات القابلة للتخمر FODMAPs تسببت في زيادة متواضعة لشدة الأعراض، بينما لم تُظهر مقارنة الجلوتين بالعلاج الوهمي فروقًا واضحة؛ وهو ما يُفسر بأهمية الانتباه إلى أن بعض الأطعمة الغنية بالجلوتين تحتوي أيضًا على الفركتانز التي تتخمر بفعل بكتيريا الأمعاء مسببة الغازات والانتفاخ.
السكري من النوع الأول والغدة الدرقية
يعاني نحو 4% إلى 5% من مصابي السكري من النوع الأول من مرض السيلياك، ويرجح وجود عوامل وراثية ومناعية مشتركة بينهما، إضافة إلى ارتباط محتمل بتغيرات ميكروبات الأمعاء والعدوى لدى المعرضين وراثيًا.
وتؤكد الأدلة أن الامتناع عن الجلوتين لا يوصى به لعموم السكان للوقاية من السكري من النوع الأول، ويحذر التقرير من أن الاستغناء عن الحبوب الكاملة دونه قد يقلل تناول الألياف والفيتامينات والمعادن ما لم تُعوض ببدائل ملائمة كالأرز البني والكينوا والدخن والحنطة السوداء والشوفان المعتمد الخالي من الجلوتين.
وفيما يخص أمراض الغدة الدرقية المناعية كتهاب هاشيموتو، توجد علاقة معروفة مع السيلياك دون أن يعني ذلك تسبب الجلوتين في أمراض الغدة لدى الجميع. وأظهرت دراسة تجريبية شملت 34 امرأة مصابة بالتهاب هاشيموتو ودون علاج دوائي، اتبعت مجموعة منهن نظامًا خاليًا من الجلوتين لمدة 6 أشهر، انخفاضًا في مستويات الأجسام المضادة وتحسنًا طفيفًا بفيتامين D مقارنة بالمجموعة الأخرى.
ومع ذلك، أكدت مراجعة علمية أخرى أن الأدلة المتاحة لا تدعم التوصية باستبعاد الجلوتين بصورة روتينية لجميع مرضى هاشيموتو، ويجب أن يقتصر القرار على تشخيص السيلياك أو وجود مبررات طبية واضحة.
التهاب المفاصل الروماتويدي
استعرض التقرير دراسة شملت 40 شخصًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة والتهاب المفاصل الروماتويدي المزمن، وقارنت بين نظام غذائي يستبعد اللحوم والجلوتين واللاكتوز ومنتجات الألبان وآخر متوازن. وأظهرت النتائج تحسنًا في مؤشرات الصحة البدنية والنفسية وانخفاضًا بضغط الدم ومؤشرات الالتهاب لدى النظام الإقصائي.
ولا تثبت هذه النتائج أن الجلوتين هو سبب المرض أو أن الامتناع عنه وحده يعالج الروماتويد نظراً لاستبعاد مجموعات غذائية متعددة في الدراسة، ولذلك لا يُستخدم النظام الخالي من الجلوتين بديلًا عن العلاج الدوائي الموصوف.
البدائل الغذائية وأهمية التشخيص المبكر
يتطلب اتباع نظام خالٍ من الجلوتين اختيار بدائل دقيقة لتجنب نقص العناصر الغذائية، مثل الحبوب كالذرة والكينوا والحنطة السوداء والشوفان المعتمد الخالي من الجلوتين، والفواكه والخضراوات، ومنتجات الألبان مراعاة لتحمل اللاكتوز، إضافة إلى البقوليات والأسماك واللحوم قليلة الدهون والمكسرات.
ويُحذر الخبراء من أن الاعتماد على المنتجات المصنعة الخالية من الجلوتين لا يضمن غذاءً صحيًا لاحتمال انخفاض أليافها وحديدها وفيتامينات B، كما يُعد التشخيص الطبي خطوة أساسية وحتمية قبل استبعاد الجلوتين؛ لأن البدء بهذا النظام قبل الفحوصات اللازمة قد يؤثر سلباً على دقة نتائج تشخيص مرض السيلياك.
