«الموت جوعاً».. المدة الطبية لصمود الجسم وتفسير حالة «تعفن الأحشاء» في واقعة قنا

يصمد الجسم البشري بلا طعام لفترة تتراوح طبياً بين 3 إلى 8 أسابيع كحد أقصى اعتماداً على مخزون الدهون والماء، إلا أن الوفاة تحدث في وقت أقصر بكثير (أقل من 20 يوماً) إذا اقترن الجوع بالبرد الشديد، الجفاف، أو التقييد الحركي، وهي العوامل التي تسرع عملية «الهدم الذاتي» للأعضاء الحيوية. وتؤكد الحقائق الطبية المرتبطة بوقائع الاحتجاز المماثلة لمأساة فتاة قنا، أن الجسم يبدأ بعد استنفاد الطاقة في «أكل نفسه» من الداخل، مما يؤدي إلى فشل كلوي وقلبي يسبق الوفاة المباشرة.

المدة الزمنية للصمود بلا طعام ومراحل الانهيار

لا تحدث الوفاة بالجوع فجأة، بل تمر بجدول زمني بيولوجي صارم يبدأ بعد 24 ساعة من آخر وجبة؛ حيث يستهلك الكبد والعضلات مخزون «الجليكوجين» (السكر). ومع استمرار الحرمان، يدخل الجسم في المرحلة الأخطر وهي:

  • الأسبوع الأول: التحول لحرق الدهون المخزنة لإنتاج الطاقة، وهنا يبدأ الوزن في الانهيار السريع.
  • الأسبوع الثاني والثالث: عند نفاد الدهون، يبدأ الجسم في تفكيك البروتينات الحيوية (العضلات والأنسجة) لتغذية الدماغ، مما يؤدي إلى ضمور عضلة القلب وضعف التنفس.
  • مرحلة الخطر القصوى: تتوقف العمليات الحيوية تدريجياً، وتصاب الأطراف بالبرودة الشديدة لعدم قدرة الجسم على توليد الحرارة، مما يجعل «البرد» سبباً مباشراً للوفاة قبل الجوع نفسه.

حقيقة مصطلح «تعفن الأحشاء» طبياً

أثار مصطلح «تعفن الأحشاء» المتداول في واقعة سارة حمدي جدلاً واسعاً، وهو وصف شعبي لحالة طبية دقيقة تعرف بـ «النخر المعوي» أو التسمم الدموي الناتج عن الجوع. يحدث هذا عندما تضمر بطانة المعدة والأمعاء بسبب نقص التروية الدموية والغذاء، مما يسمح للبكتيريا المعوية باختراق جدار الأمعاء والوصول إلى الدم، مسببة التهابات حادة ونزيفاً داخلياً، وهو ما يفسر الآلام المبرحة التي يعانيها الضحية قبل توقف الأعضاء تماماً.

العوامل المسرعة للوفاة في حالات الاحتجاز

تختلف مدة البقاء على قيد الحياة في حالات الاحتجاز الجنائي عن حالات الإضراب الطوعي عن الطعام، حيث تؤدي العوامل البيئية دوراً حاسماً في تقليص المدة من أسابيع إلى أيام معدودة:

  1. نقص السوائل: غياب الماء يقتل أسرع من غياب الطعام، حيث يؤدي للجفاف والفشل الكلوي الحاد خلال أيام.
  2. التقييد الحركي: عدم الحركة يسرع من ركود الدورة الدموية وتكون الجلطات، مما يضاعف العبء على القلب الضعيف أصلاً.
  3. الضغط النفسي: يرفع مستويات الكورتيزول التي تزيد من سرعة تكسير الجسم لأنسجته العضلية.

العلامات الظاهرية للوفاة جوعاً (الطب الشرعي)

يكشف الفحص الظاهري في مثل هذه القضايا عن أدلة دامغة لا تقبل الشك، تتجاوز مجرد النحافة:

  • غؤور العينين: تراجع العيون للداخل بسبب ذوبان الوسادة الدهنية خلفها.
  • جفاف الجلد وتصبغه: ظهور بقع داكنة وجفاف شديد نتيجة نقص الفيتامينات والبروتينات.
  • الوذمة (التورم): في المراحل الأخيرة، قد يحدث تورم في البطن أو القدمين نتيجة نقص بروتين الألبومين في الدم، وهو ما قد يخدع الناظر غير المتخصص.

يشار إلى أن الشعور بالجوع الحاد يتوقف عادة بعد الأيام الثلاثة الأولى، حيث يدخل الدماغ في حالة من الخمول والتشوش الذهني نتيجة تراكم «الأجسام الكيتونية»، مما يعمل كمخدر طبيعي يقلل إدراك الضحية للألم في اللحظات الأخيرة قبل الغيبوبة.